علي بن أحمد المهائمي

252

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

أحوالها ، فإنّ لهم في كلّ حال صورة ، فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم فيختلف التجلّي لاختلاف الحال ، فيقع الأثر في العبد بحسب ما يكون ؛ فما أعطاه الخير سواه ولا أعطاه ضدّ الخير غيره ؛ بل هو منعّم ذاته ومعذّبها فلا يذمّنّ إلّا نفسه ، ولا يحمدنّ إلّا نفسه فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] في علمه بهم إذ العلم يتبع المعلوم . ثمّ السّرّ الّذي فوق هذا في هذه المسألة أنّ الممكنات على أصلها من العدم ، وليس وجود إلّا وجود الحقّ بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أنفسها وأعيانها ؛ فقد علمت من يلتذّ ومن يتألّم ، وما يعقب كلّ حال من الأحوال ، وبه سمّي عقوبة وعقابا ] . ( وكما أن الدين الإسلام والإسلام عين الانقياد ) الحاصل للعبد في الجزاء ، كما أنه ( عين الانقياد ) لما شرع ( فقد انقاد ) العبد بانقياده لما شرعه ، وترك انقياده له ( إلى ما يسر وإلى ما لا يسر وهو الجزاء ) ، فكان الإسلام والجزاء واحد في تفسير الدين ، إلا أن الأول باعتبار انقياده لما شرع ، والثاني باعتبار انقياده لما ترتب على المشروع ، ( هذا لسان الظاهر في هذا الباب ) أي : القول بانقياد العبد إلى ما يسر وإلى ما لا يسر من الجزاء لسان أهل الظاهر ، وفي الحقيقة هو المجازي نفسه بما يسرها وإلى ما لا يسرها . كما قال : ( وأما سره ) أي : سببه الحقيقي ، ( وباطنه ) أي : موجبه الخفي وراء المقتضى الظاهر من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ، ( فإنه ) أي : الجزاء ( تجل ) عارض ( في مرآة وجود الحق ) أي : في العين الثابتة لا من حيث هي عدم ، إذ لا يتصور في شأنها أمر ملذّ أو مؤلم إلا بعد التجلي المفيد لها الصورة الوجودية به المحققة لذواتها ، والحق لا يقصد فيها التجلي إلا بحسب مقتضيات أحوالها . ( فلا يعود على الممكنات ) أي : الأعيان من حيث هي موجودة قابلة للتلذذ والتألم ( من الحق ) الذي تجليه واحد في ذاته عام للكل ، ( إلا ما تعطيه ) من قابلية تجعل خاص ( ذواتهم ) أي : أعيانهم الثابتة لا بحسب أنها أعيان ، إذ لا يختلف التجلي بحسبها بما يلذ تارة ويؤلم أخرى ، بل بحسب ما يعطيه ( في أحوالها ) التي يتحول عليها من العقائد والأخلاق والأفعال ، ( فإن لهم في كل حال ) لذة ( صورة ) ما يسر وإلى ما لا يسر ؛ ( فتختلف صورهم لاختلاف أحوالهم ) ، وإن كانت أعيانهم باقية في ذواتها لكن تختلف الأحوال عليها باختلاف وجود استعداداتها بحسب الأسباب الخارجية ، ( فيختلف التجلي ) ، وإن كان واحدا في نفسه والعين أيضا واحدة ( لاختلاف الحال ) الذي هو سبب هذا التجلي المعارض ، كما أن العين الثابتة سبب التجلي الذي أفادها الصورة الوجودية ، فإذا كان الحال مؤثرا في هذا التجلي .